حسن حنفي

111

من العقيدة إلى الثورة

لها الّذي يجمع بين الدائرة والخط ، بين العود الأبدي والتقدم . وكل نبوة محدودة بقوم وجنس وليست عامة للبشر جميعا ، ولا توجد نبوة واحدة قادرة على اختراق حدود القومية والجنس بما في ذلك اليهودية . فالنبوة خاصة وليست عامة . فإذا كان النسخ جائزا عقلا ولكن غير واقع عملا فإنه يكون بلا فائدة ، ويكون الجواز العقلي مجرد افتراض صوري لا أثر له ولا فاعلية فيه . فإذا ما تم الاعتراف بنبوتي عيسى ومحمد ، كل منهما لقومه ، عيسى لبنى إسرائيل ، ومحمد لبنى إسماعيل ، ( وأيوب لبنى عميص ، وبلعام لبنى مواب ) فإنهما لا ينسخان شريعة موسى . فلا تواصل بين النبوات ولا أثر لأحدهما على الأخرى . ولما كان عمر الدنيا قصيرا لا يتحمل التغيير والتبديل ، ونسخ شريعة واحلال أخرى ظلت شريعة موسى باقية وكأن الحياة تعنى الثبات دون التغير وكأن حياة الانسان وسيلة وبقاء الشريعة غاية . والحقيقة أن التواصل بين النبوات ، ونسخ الشريعة المتقدمة للشريعة السابقة اعتراف بوحدة الوحي وتطوره حتى اكتماله في خاتم النبوة التي تصبح عامة للناس كافة . ان عموم الرسالة لا ينقض خصوص النبوة كما أن خصوص النبوة لا يعارض عموم الرسالة . فما من قوم الا وفيهم نذير . وقد يكون لقوم واحد رسولان ، وفي هذه الحالة يتفقان في الشريعة . وقد يكون رسول في قوم دون قوم . وقد يظهر رسول عند قوم ورسول آخر عند آخرين وفي هذه الحالة لا يؤدى اختلاف الزمان إلى اختلاف في الواجبات العقلية . فإذا كان عموم الرسالة مشروطا بالتبليغ بالرغم من خصوصية النبي وقومه الا أن هناك رسالات عامة حملها أنبياء للناس جميعا . فقد كانت نبوة آدم إلى جميع ولده الذين أدركوه ، وكانت نبوة إدريس لجميع الناس في عصره . وكانت نبوة نوح أيضا كذلك وإلى ما بعد الطوفان إلى أوان النبي الّذي بعده حتى لا يخلو البشر من رسالة . وكانت نبوة إبراهيم إلى الناس كافة ومنها رسالة محمد إلى البشر كافة والذين نعرفهم في الدنيا « 166 » .

--> ( 166 ) هذه هي العيسوية أصحاب أبي عيسى الأصبهاني . يقولون بأن محمد وعيسى نبيان صادقان ولكن أرسلا إلى قومهما وليس إلى كل